MassaJo
MassaJo

لماذا لم تكرر الخليل نهج القدس؟

د. أحمد جميل عزم

بحسب تشخيص الجهة المسؤولة في منظمة التحرير الفلسطينية، فإنّ الجيش الإسرائيلي اتخذ الأسبوع الفائت قراراً في مدينة الخليل هو بمثابة “التنفيذ الفعلي لمشروع إسرائيل الكبرى وضم المناطق الفلسطينية إلى إسرائيل، من خلال الترسيم الفعلي للمستوطنات غير القانونية وشرعنتها، والاعتراف بها ومنحها السيادة”.  وبحسب ناطق رسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، فإنّ ما يحدث “ينذر بكارثة حقيقية”. ورغم هذا التشخيص، لم تحدث في المدينة ردة فعل على غرار ما حدث في القدس مثلا، في شهر تموز (يوليو) الفائت، وانشغل الرأي العام المحلي، جزئيّاً على الأقل، باعتقالات فلسطينية بحق فلسطينيين.
يُمثّل القَرار، بحسب المصادر الإسرائيلية “إعطاء المستوطنين مكانة قانونية، كمستوطنة مستقلة”، وهو قرار اتخذه وزير الدفاع (الحرب) الإسرائيلي، أفيغدور لبرمان، ويغير “الوضع القانوني” لنحو ألف يهودي في المدينة، بحسب تعبير صحيفة “جيروزالم بوست” الإسرائيلية. وبحسب ذات الصحيفة فالقرار مغايرٌ لاتفاقيات أوسلو، وتحديداً اتفاق الخليل للعام 1997، حيث أوكل للبلدية الفلسطينية المهام هناك، والآن تم فصلهم وإعطاؤهم حق طلب الخدمات من “الإدارة المدنية” التي هي قيادة عسكرية إسرائيلية تسيطر على كثير من أوجه الحياة اليومية في الضفة الغربية، وهو ما قد يعني مشاريع وانشاءات وترتيبات تعزز قبضة المستوطنين في حربهم لطرد العرب من الخليل. ويبرر نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، توقيت هذه الخطوة، بانتخاب تيسير أبو سنية، الفدائي السابق، رئيساً للبلدية مؤخرا في المدينة، ويعلن أنّ الخطوة تهدف إلى “تطبيع حياة اليهود في الخليل، بشكل خاص، وفي كل يهودا والسامرة (أي الضفة) بشكل عام”.
من هنا فتقييم منظمة التحرير سالف الذكر، عبر أمين سر اللجنة التنفيذية فيها، صائب عريقات، يبدو دقيقاً، وهو جزء من عملية ضم، و”تطبيع” واستمرار للاحتلال. وتقييم أسامة القواسمي، باسم “فتح” أنّ الأمر يستدعي “تحركاً عاجلاً”، دقيق. ومن هنا يصبح السؤال لماذا لم يحدث تحرك عاجل؟ ولماذا لم تنتفض الخليل، على غرار ما حدث في مدينة القدس في شهر تموز؟ رغم أنّ وضع الخليل لا يقل احتقاناً عن القدس، بل وقادت الخليل على مدى السنوات القليلة الفائتة المبادرة في التصدي للسياسات الإسرائيلية، بعمليات نوعية ضد الاحتلال. ويوجد على رأس بلدية الخليل شخصية فتحاوية إسلامية، أي قادرة على تحريك الشارع.
بدل أن تتجه الأنظار لحراك تقوده “فتح” والفصائل والفعاليات في الخليل، اتجهت جزئياً إلى اعتقال أيمن القواسمي، مدير إذاعة منبر الحرية في المدينة، المحسوب أيضاً على حركة “فتح”، الضابط السابق في جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، بعدما وجه انتقادات حادة للقيادة الفلسطينية. ثم جرى اعتقال عيسى عمرو، منسق تجمع شباب ضد الاستيطان، ويعد التجمع رأس حربة في مواجهة المستوطنين بوسائل مدنية ودبلوماسية وإعلامية وميدانية، خصوصاً في نقاط المواجهة، مثل تل الرميدة، بعد أن وجه أيضاً نقداً حاداً للأداء الرسمي وخصوصاً الإعلامي.
بغض النظر عن ملابسات اعتقال القواسمي وعمرو، والتبرير الذي قد يقدّم لذلك، فإنّ الانشغال بهذه القضايا يوضح حجم المشكلة في صياغة تحرك موحد شعبياً في مواجهة الاحتلال.
لقد كان أحد التفسيرات لنجاح حراك القدس هو أنّ العمل جرى بمعزل عن وجود علني أو رسمي للسلطة والفصائل، وأنّه كان بسبب خصوصية القدس التي تشمل عدا الخصوصية الدينية، خصوصية وجود الاحتلال وحيداً في مواجهة الفلسطينيين، وعدم وجود مأزق توازي تكوين سلطة وأمن بوجود الاحتلال والاستيطان، وما يحدث في الخليل يعزز هذه الفرضية.
رغم خطورة الإجراءات الإسرائيلية في القدس، وربما بسبب هذه الخطورة، كانت هناك فرصة سانحة فلسطينياً لتعزيز نهج الاشتباك المدني المقاوم، على غرار ما حدث في القدس، وكانت ستكون الرسالة قوية، وهي أنّ هناك آلية للمواجهة ضمن قواعد المقاومة الشعبية، ولكن ما حدث حتى الآن، يشير للافتقاد للقدرة التنظيمية لدى الفصائل والأطر المعنية في تحقيق مثل هذا الحراك، وفي تأمين متطلباته، وأهمها تحقيق الوحدة الداخلية الشعبية ووحدة الرسمي مع الشعبي، على قاعدة أنّ الاحتلال هو التناقض الأساسي، وما عدا ذلك ثانوي، وأنّ من يريد كسب التناقض الثانوي عليه كسب نقاط على طريق التناقض الرئيسي.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.